الحوثى والغرب ثانية! بقلم عز الدين سعيد الأصبحى

نيوز بلوس-الرباط

لم تتوقف زيارات المبعوثين الدوليين والمنظرين فى قضايا الأزمات بشأن اليمن خلال الأسابيع الماضية، دون تقدم يذكر وخفت صوت الدبلوماسية الخجول، مع اشتداد خطاب الحرب للميليشيا المنتحرة على أسوار مأرب شرق اليمن. واتسعت حالة خيبة الأمل لدى اليمنيين من المجتمع الدولى، الذى تتهاوى أمامه مدن بل ودول دون رادع حقيقى، ولم يكن بيان مجلس الأمن الدولى مساء الأربعاء الماضى، غير إدانة مكررة لن تصغى لها ميليشيا تعيش على الحرب، وبالتالى لا تدرك معنى القلق الدولى، ولا تقيم له وزنا.

شهد اليمنيون وحدهم خروج حراسات السفارة الأمريكية عبر مطار صنعاء مصحوبة بقوى حوثية، وصمتت السفارات المختلفة يومها عن نهج الميليشيا التى أطبقت على صنعاء، وتم إقناع الكل آنذاك دون ضجيج، بطرح مفاده أن يلتزم الحوثى مع غرف العمليات الأمنية بصون المصالح الغربية وبتصفية أى قوى متطرفة، وصون حصص القوى السياسية النافذة فى أى توزيع قادم وظنت معظم القوى أن صمتها سيشفع لها عند الميليشيا إذا سيطرت، وهنا يكون كل الظن (إثما) وليس بعضه، فلا عهد للميليشيات.

تلك رواية يمنية للأحداث لم تجد اهتماما عالميا لسماعها، لكن سرعان ما تبخرت الوعود وتبخر اتفاق السلم والشراكة الذى ضغطت الأمم المتحدة والسفارات الغربية على توقيعه عشية 21 سبتمبر 2014 ، وصار مجرد شماعة لتسليم الدولة ونشر قوات الميليشيا الحوثية، التى انتشرت ضمن تنسيق واضح للسيطرة على كل مفاصل القوة بصنعاء. ولكن لا تأتى الرياح كما تمنته سفن التفاهمات الدولية، حيث أصرت ميليشيا الحوثى على حرق المراحل وإكمال إحكام قبضتها على كل شيء. وتهديد الأمن الإقليمى والدولى بشكل سافر، وبرزت وحشية تعاملها مع اليمنيين وأعلنت الميليشيا أجندتها بوضوح، إعلان دستورى يلغى الشرعية، ولجان ثورية، وفتحت المعتقلات فى كل مكان والاختطافات بالجملة، وخطاب مذهبى مشبع بالكراهية، وتمزيق لنسيج المجتمع، وأسقط فى يد القوى السياسية التى لم تُحسن قراءة المشهد. وغادرت السفارات صنعاء ولم تجرؤ أن تقول ما تقوله الآن لشهورٍ طويلة، من أن الشعب فى كارثة، بل تركت اليمنيين لمصيرهم وللصمت الدولي. وبدأ السيناريو واضحا، وهو ليس فقط تسليم صنعاء لطهران بل ربما يذهب الأمر إلى صنع جغرافيا جديدة تعيد تشكيل الجزيرة العربية.

واعتبر العالم أن الأمر لا يعنيه، حيث التزامات ميليشيات الحوثى لم تتغير وتنحصر فى حفظ بعض المصالح وعدم وجود تطرف (وكأن الحوثى ليس نبع التطرف). وعاد الوسطاء آنذاك يقنعون القوى السياسية بقبول الأمر الواقع، وظهر العالم كله مستسلما، ولم يتم حساب أمرين غيرا وجه المعادلة والتى أصرت القوى الدولية بل وأحزاب يمنية نافذة على تجاهلهما. الأمر الأول قوة رفض المجتمع اليمنى، وأن الشعب البسيط غير المسلح فى تعز وعدن وكل الجنوب وتهامة ومناطق الوسط يرفض مسيرة الحوثى وخطاب المذهبية والعنصرية، وأنه سيقاوم بضراوة.

العامل الثانى كانت مفاجأة القدر التى صعدت قيادة جديدة فى الرياض، ورأت أن التدخل الإقليمى العاجل لا ينتظر إذن القوى الدولية، فالحوثى ومن وراءه إيران يدق أبواب المنطقة. فكان قرار عاصفة الحزم فى 25 مارس 2015 ، واتذكر أنه كاد ينتهى أمر الحوثى فى الأسابيع الأولى من العاصفة، حتى هبط كثير من قوى الضغط الدولى لوقف الامر .وكان بعض السفراء أشد حرصا على الحوثى من بعض أنصاره. وفعلا تم الإعلان عن انتهاء عاصفة الحزم فى 21 أبريل 2015 ، ولم تنته سلسلة الضغوط المختلفة لعدم إنهاء قوات الحوثى مع كل منعطف عسكرى أو سياسى وليس آخرها عملية تحرير الحديدة ومينائها فى يونيو 2018 .ولم يوجه أى ضغط لإيقاف ميليشيات الحوثى من حصارها للمدن أو تجنيد الأطفال وتلغيم الطرقات والقرى، وليس آخرها ما يجرى الآن فى مأرب وتعز.

ومن تابع التصريحات فى كل محطات الضغط السياسى انذاك، سيجد أنه لا يُذكر مصطلح وقف الحرب، ولكن مصطلح وقف الغارات الجوية، ولا يُذكر مصطلح فتح المطارات اليمنية بل يذكر فتح مطار صنعاء، ولا يذكر أى تفاصيل لكيفية إلزام الحوثى أو إيران بوقف العدوان، بل إنهاك مؤسسات الشرعية ومعاقبة أى دعم لمؤسسات مناهضة الانقلاب. ولن تكون إجراءات الكونجرس الأمريكى الشهر الماضى آخرها، بل جاء الطرح الأوروبى، وقال بوضوح أن العقوبات الأوروبية على ميليشيات الحوثى هى مجرد منع من السفر ومنع نقل أموال وأن هذه أمور غير مجدية وبالتالى لاضرورة لها، وعليه وحسب هذا المنطق أو الرؤية والتى تجد لها مناصريها فى قلب محافل دولية فإنه لا حل فى أروقة المنظمات الدولية، بل فيها خيبات أمل متلاحقة وإن الحل بيد اليمنيين والمنطقة التى تعانى من هذا الجنون. والذى يبدأ بتغيير المعادلة عبر تغيير على الأرض يفرض واقعا يجعل العالم يعيد حساباته، ويدرك الحوثى وهم تفوقه ويوقف الحرب ويقبل بالسلام، ففرض منطق السلام يأتى من موقع القوى القادر وإلا فإن الطرف الآخر بالحرب يقرأه خطأ وأنه استسلام، حيث لن يفرض خطاب السلام وأصحاب معسكر السلام وبناء الدولة بحالة ضعف وانهيار وتشظى بل يفترض أن يكونوا فى موقع قوة عادلة تنشد السلام باقتدار وداعمها الأساسى هو بقاء الموقف المجتمعى الصلب المؤمن بدولة المؤسسات، الرافض لنهج الحوثى ونظرته، وأن الخطر المحدق بالإقليم باق كما هو بل أشد، مع انتشار خطاب الحرب المذهبية، وأن نظرية الحوثى مهما بدت اليوم أكثر بطشا، لكنها مشروع غير قابل للحياة. وأن الميليشيا لا تصنع دولة ولا تصون سلاما، وإلا لكانت دولة داعش هى الرائدة فى المنطقة.