بقلم ياسر لحرش : الارهاب يستهدف المغاربة في مالي

نيوز بلوس 

ياسر لحرش / باحث في القانون العام‌‎

في إفريقيا تتشكل تحالفات جديدة قد تغير رسم خريطة الإرهاب في منطقة بأكملها ، هناك التنسيق الذي يجري بين التنظيمات المسلحة مقابل محاولات دولية لتشكيل تحالف بين حكومات افريقية تعمل على مواجهة هذا الخطر الذي يتمدد عبر مساحة كبيرة عابرا الحدود و الصحاري في القارة السمراء لينشر الموت بين ملايين البشر، فالإرهاب في افريقيا تمدد لعدة أسباب لعل أبرزها يكمن في ضعف فعالية الأنظمة السياسية الأفريقية باعتبار ان جدار الاستقرار في افريقيا مليء بالثغرات التي استغلتها و لا تزال تستغلها الجماعات المتطرفة، بالإضافة الى قلة الخبرة و الاحترافية في صفوف الجيوش الافريقية ، خصوصا دول الساحل و الصحراء ، كون أن معظم هذه الجيوش بحاجة الى رفع كفاءتها في مجال تكتيكات مكافحة الإرهاب ، و كما يلزمها بناء عقيدة عسكرية وطنية بعيدة عن التنافرات السياسية ، و السبب الأبرز في تمادي الجماعات التكفيرية المتطرفة ، طمعاها في الثروات الطبيعية الموجودة بكثرة في افريقيا التي تمتلك مخزونا من النفط و الذهب و اليورانيوم ، الى جانب وفرة المصادر المائية المتجددة و غير المتجددة فيها.
الأنشطة الإرهابية لم تنتهي في العالم بإعلان القضاء على تنظيماتها في أفغانستان أو العراق أو سوريا، بل بات لها وجه اخر عندما اكتسبت مواضع جديدة في القارة الافريقية، ومع خسارة داعش و تنظيم القاعدة مناطق سيطرتهما بسبب العمليات العسكرية ضدهما ، تحول اهتمامهما من الشرق الأوسط وجنوب اسيا الى منطقة الساحل و الصحراء في افريقيا، لتصبح المواجهة أشد وأعنف بين الجماعات المسلحة فيما بينها ، وهنا نتحدث عن كل من جماعة “بوكو حرام” و حركة “ماسينا” بالإضافة الى تنظيم القاعدة و داعش و هذا على حساب المدنيين في بعض الدول الافريقية الفقيرة و الهشة.
أيضا المنطقة المغاربية لم تكن يوما بعيدة عن التهديدات الأتية من الساحل ، والتي تشكل تحديات أمنية في المنطقة المغاربية ، التي كانت دائما تعد حاضرة في أجندات التنظيمات الإرهابية ، باعتبار ان البنية التنظيمية و البشرية ارتبطت تاريخيا بما يسمى “الجماعة الإسلامية المقاتلة في الجزائر” و التي تحولت لاحقا الى “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و من تم عرفت ظهور عدة تنظيمات أخرى.

مقتل سائقين مغربين في مالي “عمل إرهابي مدبر له”

ليست اول مرة يقع هجوم على شاحنات التصدير المتجهة نحو دول افريقيا، فكثيرا ما حدثت عمليات سرقة الشاحنات التي تلعب دور كبير في استقرار دول غرب افريقيا و تبرز دور المملكة المغربية في التعاون مع هذه الدول التي بحاجة الى المنتوجات الغدائية و المعدات في مختلف المجالات، لكن ما حدث مؤخرا يضع علامة استفهام عن خلفيات قتل السائقين المغربيين ويجعلنا نتساءل: لماذا تم استهداف الشاحنة المغربية فقط؟
فحسب شهود عيان ان المهاجمين كانت بيدهم أجهزة اتصال لاسلكية و ملابس واقية للرصاص وذو بشرة بيضاء ، و يظهر على أنهم فريق و غرضهم ليس السرقة لان البضاعة لم تمس و انما هدفهم قتل السائقين المغربيين في إشارة الى زعزعة المغرب من أجل وقف تمويل السوق الافريقية، وهذا له ارتباط وتيق باستراتيجية الجارة الشرقية الجزائر فيما يتعلق بالتهديد الذي صدر على لسان وزير الخارجية الجزائري الذي قال “ان ردنا سيكون طويل و مستمرا و على المدى البعيد”، فأصابع الاتهام جميعها تشير الى النظام الجزائري الذي يشن حرب اقتصادية على المغرب و مالي أيضا، فبعد هذا العمل الإرهابي مباشرة تطلق الجزائر قافلة شاحنات نحو موريتانيا و غرب افريقيا ، فكيف يعقل انه بعد ساعات قليلة بعد هذه الجريمة الشنيعة يقوم الاعلام الجزائري بالترويج لهذه القافلة المصدرة للمنتوجات الغدائية ، وجميعنا نعلم أن الجزائر ليس لها ما تصدر، وان نظام “الكابرانات” النظام اجرامي، في اعتقاده ان القيام بمثل هذه الأفعال تنقده من ازماته الداخلية، بالإضافة الى تورط قيادات من البوليساريو في هذا العمل في شخص الإرهابي “عدنان أبو الوليد الصحراوي “الذي يعتبر من قدماء الجهاديين في منطقة الساحل إذ ساهم في القتال بشمال مالي سنة 2012 عندما كان في تحالف مع تنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي” قبل أن ينضم إلى جماعة مختار بلمختار ليؤسس معه تنظيم “المرابطون” في منطقة الساحل.
وأعلن بيعته لتنظيم ”الدولة الإسلامية” في أكتوبر 2015 باسم “المرابطون” في خطوة رفضها مختار بلمختار، ما أدى إلى انقسام “المرابطون” إلى جزئين: جزء انضم إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” وجزء عاد تحت لواء “القاعدة” في المغرب الإسلامي
ولم يعترف تنظيم “الدولة الإسلامية” ببيعته إلا بعد مرور سنة ولم يتبن عمليات خطط لها الصحراوي إلا في 2019 وهي السنة التي شهدت هجمات من تدبيره كذلك أبرزها مقتل 13 جنديا فرنسيا في حادث اصطدام مروحيتين فرنسيتين في نوفمبر 2019 بعد أن كان المسؤول عن مقتل أول جندي فرنسي على يد “المرابطون” في نونبر 2013
ومن بين العمليات الأكثر دموية التي خطط لها أبو وليد تلك التي كانت في منطقة “تونغو تونغو” بالنيجر في 2019 والتي راح ضحيتها أكثر من 20 جنديا محليا. نفس المنطقة كانت شهدت مقتل 4 من عناصر القوات الخاصة الأمريكية في 2017، ثم قد أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون عن مقتله في عملية وصفها بالنجاح ضد الجماعات الإرهابية، حيث يعتبر تصفية هذا الإرهابي ضربة موجعة لباقي الجماعات المسلحة الأخرى لما له من شعبية كبيرة ضمنهم.

فما حدث في مالي ليس عملا معزولا ويجب ربطه بأحداث أخرى لفهم الصورة.

ياسر لحرش / باحث في القانون العام‌‎