بقلم محمد بكاس : البرنامج الانتخابي أساس اختيار ممثلي المواطنين (لكي لا نعيد نفس الخطأ).

محمد بكاس

 في بداية الأمر يجب الاشارة بالضرورة إلى  التسويق السياسي والذي يمكن اعتباره  أحد الاتجاهات الحديثة والمعاصرة لعلم التسويق الحديث، إلا أنه لم يلق الاهتمام اللازم من قبل الباحثين خصوصا عند المتخصصين في مجال التسويق مما انعكس على قلة البحوث العلمية  في هذا المجال،فضلا عن عدم  تطورها بالشكل الذي يتناسب مع أهمية هذا العلم ويعد البرنامج الانتخابي جزءا من هذه الفعالية المعاصرة والتي يجب أن تنتجها ثقافة الناس والتي يجب أن تتضمنها كي تستطيع أن تمثل ذاتها على أرض الواقع وإلا سوف تبقى الانتخابات شأنا إداريا بحتا يلبي حاجة دستورية دورية فقط . ويمكن اعتبار البرنامج الانتخابي هو تلك الخطة أو برنامج العمل الذي يضعه المرشح لمنصب ما يوضح من خلاله الأهداف والمشاريع التي يسعى لإنجازها أثناء فترة توليه المنصب ويعمل المرشح على عرض هذه الخطة على الناخبين وذلك لكسب أصواتهم من خلال ما يحدده من أهداف ومطالب في هذا البرنامج ويمكن أن تتشابه البرامج الانتخابية في بعض النقاط وتختلف في نقاط أخرى وذلك بين مرشح وآخر كما تختلف البرامج الانتخابية حسب طبيعة المنصب الذي تجري المنافسة عليه برلمانيا كان أو جهوي أو جماعي  وإن كان المبدأ واحدا لدى الجميع باعتبارها بمثابة خدمة للوطن والمواطنين وواجب يفرض الأمانة والجهد الدؤوب وقدرة المرشح على وضع برنامج انتخابي قوي هي دليل حيوية هذا المرشح وقدرته على المنافسة الحقيقية.

 وتأسيسا على ما سبق فإنه يمكن التعبير على ما يجري في  الساحة الآن وعلى الرغم من التقدم النسبي في الوعي السياسي لدى المغاربة أصحاب المصلحة الأولى والأخيرة في بلدهم فما زلنا نرى غيابا للبرنامج الانتخابي لدى وجوه الأمس وتلك الجديدة وصمت السياسيين عن برامجهم الانتخابية بدعم من حلفائهم في الإعلام، لا يحصل إلا بفضل تقاعس المواطن والناخب عن المطالبة بالإعلان عن هذه البرامج وسبل التوصل إلى أهدافها والضمانات حول تحقيقها ويجب أن يكون واضحا هنا بأننا نتكلم عن الهدف النهائي وهو سلطة تشريعية ورقابية واتخاذ القرارات فيه ولصالح من يجب أن تعمل فإن الانتخابات لا تقام لكي تقاطع فهذا يسهل  إلى إعادة تفريخ دورة جديدة مثل سابقاتها ورهن مستقبل البلد وإثراء الفاسدين.

 وبالتالي فإن التدقيق بالبرامج هو لتجديد المعرفة أولا في ما كان هذا المرشح قد قدم من وعود للمواطن في السابق وما أنجز منها وما جرى إهمالها، وبناء عليه فإن هذا التقييم  يسهل على  الناخب محاسبة هذا المرشح عن ما لم يف له به وتقاعس عنه.

والفائدة الثانية من التدقيق بالبرامج الانتخابية السابقة هو مراجعة أسس البرامج الجديدة التي سيقوم المرشح المعني بتطبيقها والاتفاق عليها وضمان تحقيقها دون الانقلاب عليها والتملص منها إن وصل لمجلس النواب أو إلى رئاسة إحدى الوحدات الترابية.

 والفائدة الأخيرة من عملية التدقيق بالرامج الانتخابية والتي لا تقل أهمية عن سابقاتها هو للتأكد من أن التحالفات المقامة مع مرشحين وتكتلات أخرى «باعتبار أنها ذوات برامج مختلفة لا متشابهة أو مكررة»، تندرج ضمن طرق تحقيق أهداف المرشح المعني وقاعدته في برنامجه فهذه لا يمكن أن تقام وفقا للمزاج الشخصي ويكون الأمر مختلفا طبعا إن لم يتوفر للمرشح المعني القناعة والدعم الشعبي الساند للقيام بالتحالفات المرجوة وقد أثبتت الأيام وأثبتت التجربة السياسية أن الاختيار الذي يعتمد على أسماء العائلات والمال والنفوذ والرشاوى الانتخابية لا يأتي بمن يمثلون الشعب تمثيلا نيابيا حقيقيا‏ ولقد آن الأوان لتغيير أسلوب الاختيار على أساس الأسماء وإنما الاختيار يكون على البرنامج الانتخابي للمرشح الذي يمثل طموح الجميع‏ فالمواطن عليه أن يصوت للمرشح الذي يحقق آماله وتطلعاته من خلال برنامج طموح وواقعي.‏ علينا ألا ننظر لهذا الاسم أو ذاك‏‏ بل ننظر للمرشح القادرعلى الوفاء بالتزاماته وبرامجه‏ فانتخبوا فلانا الذي هو ابن فلان أو من القبيلة الفلانية أو تقديم النقود لتعبئة الأصوات «هذه الابن فلان والرشاوي المقدمة هي البرنامج الانتخابي الوحيد»، ليعود بمفهوم التمثيل إلى زمن العزوة والوجاهة بدلا عن مفهوم الخادم العام المناسب لموضوع الانتخابات المعاصرة لتصبح أعمال الخير والصدقات التي يوزعها المرشح شهادة خبرة في العمل البرلماني  والذي يلخص ثقافتنا الانتخابية بإثبات وجاهته من جهة وإثبات أن هناك ناخبين من جهة ثانية.

 ومن هذا المنطلق فإن المواطنين مطلوب منهم خلال هذه المرحلة دقة وحسن اختيار مرشحيهم الذين يمتلكون القدرة على تحقيق برامجهم الانتخابية، نوابا أقوياء مشاركين ومخلصين يعملون من أجل مصلحة الوطن والمواطنين وليس من أجل المصالح الشخصية،‏ ففي زماننا هذا يصعب قياس معيار القوة والأمانة الذي فضل بواسطته المولى عز وجل رُسله واجتبى به أولياءه، لأننا إما أمام أقوياء بالمفهوم الانتخابي الظرفي غير أمناء بعد نجاحهم أو ثقات بالمفهوم الانتخابي الظرفي، كذلك عاجزون عن أداء مهامهم. لذلك فإنه من الموضوعي أن نتوخى الأمانة والقوة في البرامج الانتخابية لا الأشخاص وأي أشخاص يلتزمون بتلك البرامج هم ثقات مع الناس أشداء على الحق لأن المعيار واضح والقياس ممكن بحيث لا يحتج المخالف للبرنامج الواضح المعلن باختلاف الظروف أو تغير الشروط لأن صفة القوة تقتضي دراسة الواقع واستشراف المستقبل في ظل الإمكانات الحالية مثلما تقتضي صفة الأمانة الإخلاص للمبادئ وعدم التبديل والصدق في العمل ومحاسبة النفس والاعتراف بالخطأ وغيرها من الصفات.

وبناء عليه  فإن الثقافة الجديدة المبتغاة هي طرح مجموعة من الأسئلة قبل التصويت من قبيل  من يمثلني ولماذا؟ إنه البرنامج الانتخابي الذي يمثل المصالح الوطنية وليس الوجيه الذي يحولني إلى قبيلة هو زعيمها ولا سبيل إلى محاسبته أو عدم إعادة انتخابه، إنها آلية يجب أن تتضمنها ثقافتنا الاجتماعية السياسية القادمة.