عالم تمجيد الانهيار! بقلم عزالدين سعيد الأصبحي

نيوز بلوس/الرباط

عالم تمجيد الانهيار!
عز الدين سعيد الأصبحى

كنت أقرأ تعليقات لبعض القراء على منشور فى منصة التواصل الاجتماعى، المنشور عن لص سرق طائرة صغيرة فى الخمسينيات بأمريكا، ما يهمنى فى القصة تعليقات القراء اليوم وليس حادثة السرقة القديمة إذ وجدتُ من يُشيد بالأمر ويقول عن الفاعل (هذا فعل الرجال)!.

لا أعرف معنى الرجولة هنا، ولكن على زماننا وهو ليس ببعيد كنا نقصد بالرجولة ولا نزال بأنها الموقف الإنسانى المنسجم مع مكارم الأخلاق، ومبدأ الإنصاف، ولا علاقة للفظ بالتمييز الجندرى من ذكور وإناث. وذاك موضوع آخر، ولكن نبقى الآن فى حالة تمجيد العامة لكل فعل وتصرف يخالف القانون العام، ويمجد أى خطوة نحو انهيار القيم وأمن المجتمع. فالناس عندنا على علاقة متوترة مع كل سلطة، وذاك تاريخ طويل من الألم والعجب فى العالم العربى والإسلامي.

وكل صاحب فعل يشعل التمرد هنا أو هناك، ترى فى الأنحاء من يجعله رمزا!. وتسأل نفسك لماذا يحب الناس فعل كسر القوانين؟. ودوما ما نحكى عن مثال للدلالة على ذلك بقصة أنه إذا رأينا مثلا الشرطة تلاحق شخصا لا نعرف من هو، فى سوق أو أى مكان عام ترى المارة يتفرجون ولايساعدون الشرطة، بل ستجد من يعين الهارب من الشرطى، لاقتناع شعبى أنه مظلوم، إن لم يكن ينظر له بأنه بطل!. الكل يريد أن يشمت بالشرطى لا بالآخر.

وستجد من يرفع الصوت مشجعا الفار من وجه الشرطى بفرح عجيب، فالمواطن ينتقم من قهر النظام العام له، بمشهد يعين هاربا من وجه العدالة، قد يكون أخطر مما تتخيله الجموع المشجعة لهروبه فى الميدان العام. وربما بمتابعة سيل الشخصيات المجسدة للبطولة فى الدراما، سنجد البطل الشعبى غالبا تحت مصنف «شخص خارج القانون». بل وإصرار على تجسيد موظف القانون دوما شخصية غير محبوبة!.

وفى ذاكرة الناس حكايات عجيبة عن هذا الأمر، فى كل العصور، حتى وردت بعضها فى باب الأحاديث الموضوعة ما لا احبذ تداولها. ورأيت تركها فهى موضوعة اصلا.

ويقال عن أبى سفيان الثورى، وهو أحد أعلام الزهد عند المسلمين، أنه قال: «إذا رأيتم شرطيـا نائما عن صلاةٍ فلا توقظـوه لها، تحسبون أنكم تكسبون أجرا وأنتم تكسبون إثما، فإنه يقوم يؤذى النـاس»!.

واُختِزلت علاقة المجتمع بالسلطة فى هذه العلاقة المتوترة مع الشرطة، وهو خطأ يُدفع ثمنه من استقرار البلد ونموه.

وفى الثقافة الشعبية الراسخة فى بلد مثل بلدى اليمن على الأقل، نجد الأم تُخيف الطفل الذى لا يسمع الكلام بأنها ستأتى له بالعسكرى أو الغول!. وخلق ذلك التصور ورسخه فى اليمن مرحلة حكم الإمامة البائد وقهر عسكرها، حيث يكون حضور عسكر الإمام فى القرى نوعا من الاحتلال، لا مجرد حضور لمؤسسات حكم، بل احتلال للقرى وممارسات قائمة على مبدأ التمييز والقهر، وتلك قصةٌ مدمرة لعلاقة المجتمع بأهم المؤسسات. رغم أن أى تقدم منشود لا يقوم بغير تعزيز مفهوم الأمن الإنسانى، وهذا مصطلح يستحق التفصيل.

ويختصر التعريف بأنه: أمن الإنسان من الخوف (القهر، العنف، التهميش) ومن الحاجة أى (الحرمان وعدم التمكين الاجتماعى ) وذاك يعنى خلق ديناميكية تدمج الإنسان فى الأولويات التنموية والسياسية. فبدون شعور بالأمن من الانفلات والفوضى وتحقيق الأمن الاقتصادى، والحريات العامة، يبقى الواقع مختلا. وفى الآية الكريمة (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).

وتلك مقاربة مهمة لإعادة الاستقرار على المستوى الوطنى بل والمستوى الإقليمى والدولى، حيث لا يمكن أن يغدو الواقع مستقرا والمؤسسات تَضرب بمبادئ الحقوق والحريات عرض الحائط، كما تغدو عمليات إعادة وحشية الاستعمار والاستعباد للشعوب منهجا متجددا لسياسة الدول الكبرى.

ولن يبقى أمام العالم المقهور غير أن يشجع الناس كل من استطاع التمرد على القوانين بأن يتمرد، سواء على مستوى لصوص صغار يفرون من وجه الشرطة، أو قوات مارقة تضرب بالقانون الدولى عرض البحر، البحر الذى صار الآن ويا للعجب مرتعا لعودة القرصنة والإرهاب، إرهاب دول كبرى وميليشيات صغرى، لا فرق، حيث الكل يتفنن بخلق الفوضى وتعزيز الخوف وانهيار القيم.