تقرير لمناقشة أطروحة في القانون الخاص حول موضوع: الحق في الحياة الخاصة بين المقاربة الفقهية والحماية الجنائية

نيوز بلوس/الرباط

شهدت رحاب كلية الحقوق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس يوم السبت 10 فبراير 2024 مناقشة أطروحة في القانون الخاص تقدم بها الطالب الباحث خالد لخليفي حول موضوع: “الحق في الحياة الخاصة بين المقاربة الفقهية والحماية الجنائية“، وقد تشكلت اللجنة العلمية من عضوية الأساتذة:

الدكتور محمد بوزلافة: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس رئيسا؛
الدكتور صلاح الدين معتوق: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس مشرفا؛
الدكتور  محمد زريول: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بمكناس مقررا؛
الدكتور عادل راجع: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة مقررا؛
الدكتور عبد اللطيف الشنتوف: عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، خبيرا؛
الدكتور حميد بلمكي: رئيس المحكمة الابتدائية بصفرو، خبيرا.

استهلت أشغال المناقشة بعرض افتتاحي قدمه الطالب الباحث خالد لخليفي تطرق فيه الى أهمية اختيار الموضوع باعتبار “الحق في الحياة الخاصة يمثل الصفة الجوهرية للإنسان، ووجوده الفعلي المتحقق من خلال حمايته من الاعتداءات الماسة به، كما أن هذا الموضوع كان مثار نقاش واسع بين الفقهاء والقضاة والمفكرين والدارسين، وعلى الرغم من وجود الكتابات العديدة، التي تطرقت إلى مسألة الحق في الحياة الخاصة وحمايتها، يصعب العثور على كتابات، تتعلق بإدماج الفقه والحماية الجنائية، للبحث عن علاقة التصورات والتنظيرات بالممارسة والاجتهاد، بخصوص حماية  الحق في الحياة الخاصة، مع العلم أن القضاء والفقه صنوان متكاملان، وركيزتان أساسيتان في حمايتهما للحق في الحياة الخاصة، على اعتبار أن هذا الموضوع من المواضيع المتغيرة باستمرار، حيث يتأثر بجميع التطورات على كافة المستويات.

واستعرض الباحث مجموعة من أسباب اختيار الموضوع، من بينها: “السعي إلى محاولة تقديم بحث علمي منهجي، يوضح المقاربات الفقهية المؤسسة للحق وحمايته ويبرز الحماية الجنائية المقررة له، إذ تعد من أهم الموضوعات التي تتناولها معظم التشريعات الجنائية الحديثة، بما في ذلك التشريع المغربي، والذي بدوره يولي اهتماما كبيرا للحياة الخاصة على المستوى الجنائي، وكذا في الاطلاع الشخصي، ومعرفة الموضوع من خلال الممارسة العملية.

أما إشكالية الموضوع فقد تمثلت في مدى تمكن المقاربة الفقهية في تأصيل وتحديد طبيعة الحق في الحياة الخاصة وماهيته وخصوصيته ومبادئه وعناصره، وأساس تأطيره على المستوى الدولي والوطني. ومدى تمكن المقتضيات الجنائية من حماية الحياة الخاصة سواء في شقها الموضوعي أو المسطري، مع محاولة إيجاد التوازن بين الحق في الحياة الخاصة وباقي الحقوق الأخرى، وإبراز محدودية الحماية الجنائية في مواجهة الجرائم الإلكترونية وتحديات الذكاء الاصطناعي، وكذا حق الدولة في حماية المجتمع من أي اعتداء أو ضرر؟“.

ومن خلال هذه الإشكالية المركزية فقد انبثقت أسئلة أخرى تتمثل فيماهية السياق التاريخي والمسار المفاهيم للحق في الحياة الخاصة انطلاقا من المقاربة الفقهية القانونية والحماية الجنائية؟ وماهي المراحل التي مر بها النظام الدولي والإقليمي والوطني للحق في الحياة الخاصة وحمايته؟ وماهي الآليات التي أقرتها التشريعات الدولية لحماية الحق في حرمة الحياة الخاصة؟ كيف حمت التشريعات الجنائية الحق في الحياة الخاصة؟ وما مدى شمول الحماية الجنائية الموضوعية التي كفلتها التشريعات للحق في الحياة الخاصة؟ وماهي الإجراءات المسطرية التي شرعتها التشريعات لحماية الحق في الحياة الخاصة؟ وماهي مظاهر التهديدات التي تطال الحياة الخاصة من قبل المعلوميات من خلال الجرائم الواقعة على الحق في الحياة الخاصة؟ وإلى أي مدى استطاعت النصوص الجنائية التقليدية مواجهة الأنماط المستحدثة في الاعتداءات على الحق في الحياة الخاصة؟ وما مدى حاجة المجتمعات إلى مقتضيات جنائية جديدة تسهم في وضع حد للاعتداءات والجرائم الإلكترونية؟ وما هي سبل الموازنة بين الحق في الحياة الخاصة وباقي الحقوق سيما الحق في المعلومة وحرية الصحافة وحرية التعبير؟ ما مدى حجية الدليل الالكتروني في اثبات الجرائم المرتكبة ومدى قصور الحماية الجنائية أمام الأبحاث الجنائية وحرية الإعلام؟

وانطلق الباحث في معالجة مشروع الأطروحة من فرضية أساسية تتمثل في مدى تمكن المقاربة الفقهية والحماية الجنائية ومقتضياتها القانونية في التعامل مع الحق في الحياة الخاصة وحمايته، و إيجاد التوازن بينه وبين بعض الحقوق الأخرى مع ضرورة حماية الأمن العام والنظام العام.

وبخصوص المناهج المعتمدة في معالجة أطروحة البحث فقد اختار الباحث اتباع المنهج التحليلي الوصفي المقارن، مقسما بذلك الأطروحة الى بابين تناول في الباب الأول السياق التاريخي والمسار المفاهيمي للحق في الحياة الخاصة، قبل أن يتناول في الباب الثاني صورا للحماية الجنائية لهذا الحق.

وقدم الباحث في ختام عرضه مجموعة من الخلاصات أبرزها :

إن الواقع المعيش نتج عنه مجموعة من أشكال الاعتداء على الحق في الحياة الخاصة، مما حدى بالمشرع إلى تجريم الأفعال والسلوكيات الماسة بعناصر الحق في الحياة الخاصة المادية والمعنوية، كما حدد عقوبات جنائية رادعة تتوافق مع طبيعة الاعتداء. ولكن هذه الحماية تظل محدودة نظرا للتطورات المتتالية التي تعرفها المجتمعات الإنسانية حيث انتقلت في تدرج من المجتمع المدني إلى المجتمع المعرفي المعلوماتي القائم على الإلكترونيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ,الأمر الذي يستلزم تجريم بعض الأفعال الأخرى التي تمس بالحياة الخاصة للأشخاص.
قامت السلطة القضائية بدور هام في ترسيخ مبدأ قرينة البراءة باعتبارها أساس الحماية المسطرية للحياة الخاصة للأفراد، حيث تعتبر حماية فعالة وحقيقية، إلا أنه  يجب مراجعة بعض مواد مشروع قانون المسطرة الجنائية كضمانة إضافية للحياة الخاصة، إضافة لإعادة النظر في علنية بعض الجلسات وخاصة الجلسات الأسرية، وكذا محاولة إيجاد حلول تشريعية ناجعة للحد من معضلة الاعتقال الاحتياطي، وكذا وضع محددات مضبوطة لتدبير الأبحاث الجنائية .
صعوبة الموازنة بين الحق في الحياة الخاصة وحرية الصحافة، تلزم المشرع بضرورة إيجاد حلول تشريعية للحد من الأخبار الزائفة والمغلوطة التي تهدف المساس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم, وخاصة أمام صعوبة حجب بعض المواقع الإلكترونية.
نظرا للتطور الحاصل على مستوى الإلكترونيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما نتج عنه من مساس بالحق في الحياة الخاصة، وجب على المشرع مسايرة التطور  الحاصل عبر سنه لمجموعة من النصوص الجنائية التي سوف تعمل على الحد من آثارهما.
اتضح من خلال البحث أن الحماية الجنائية للحياة الخاصة  ليست على إطلاقها، بل هناك حدود وقيود تفرضها مصلحة المجتمع، سواء من خلال مكافحته للجرائم المنظمة، والتي تلزم المشرع والمؤسسات بمسايرة توجيهات مجموعة العمل المالي  وكذا المضي قدما في تعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية سواء فيما بينها أو في علاقتها مع المؤسسات الدولية. كما أن مكافحة الأوبئة وكذا ضرورة التبليغ عن الأمراض المعدية  تشكلقيدا  إلزاميا على الحياة الخاصة، ينبغي على المشرع من خلاله وضع نصوص تشريعية ومراسيم تطبيقية، لحماية المجتمع وكذا الحياة الخاصة.

أشغال المناقشة العلمية، توجت بقرار اللجنة قبول الأطروحة في الشكل، وفي الموضوع، منح الطالب الباحث لقب دكتور في القانون بميزة مشرف جدا، مع توصية بالنشر، وقد عرفت أطوار المناقشة حضورا كثيفا من طرف الطلبة الباحثين، فضلا عن مسؤولين قضائيين وقضاة ومحامين وحقوقيين ومهنيين من منظومة العدالة.