نحتاج اختيار أعدائنا! بقلم الدكتور عز الدين سعيد الأصبحي

نيوز بلوس/الرباط

 

نحتاج اختيار أعدائنا!*
____
عزالدين سعيد الأصبحى
_____

ها أنذا فى مطار بزحمة صيف خانق، تلاحقنا الأحداث والأخبار، وكأننا فى مشهد فيلم كابوسى طويل يأبى أن تنتهى مشاهده.

تقلب بصرك فى قاعات الانتظار فى دهشة، وشاشات الأنباء تقلب مواجع لا تتوقف فى كل بقاع الوطن الممتد من الماء إلى الماء. فأخبار الحروب تطغى على كل لحظة فرح، وإذا ما صمت مذيع الأخبار عن نقل نزاع هنا وانفجار هناك، جاءت أخبار مؤشرات البورصة وكوارث الجوع وانهيار الاقتصاد.
نعم لقد عشنا عمراً جُله محطات استراحة لحرب لم تنته، معارك شتى وخسارات عدة، كما هى انتصارات لا تعنى شيئا غير شحذ الهمة لنستمر – على ما يبدو – فى درب من الخسران الدائم ! .
لست فى جو من التشاؤم أبدا، رغم أن ما حولنا لا يطفى على الوجود جو التفاؤل الجميل إطلاقا. إنها منزلة بين منزلتين.
ذاك يذكرنا بعنوان رواية الكاتب الفلسطينى الراحل أميل حبيبى الذى جمع فى عنوانها بين المفردتين وصارت (المتشائل ).
الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، إنه هذا الحذر الذى يجعلك واقفا وسط حقل من الألغام دون خريطة!. وقد قالت العرب حكمتها قديما، لمن وجد نفسه فى وضع لاوضوح للرؤية فيه، قالوا 🙁 إذا أظلمت فقف ! ). وذاك يعنى اصبر حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
وليس هناك أكثر وفرة ، من نصائح حول دروس الصبر فى هذه الأمة العربية المسكونة بالوجع !.
يتقنها الناس بالفطرة وتتوارثها الأجيال، فهى أمة محاطة بالخوف والأعداء منذ الأزل.
لذلك تتقن الصبر أكثر من غيرها ويتبدل فيها الحال لتنهض ثانية، أمة وُجدت فى وسط الكون وعين عاصفة الحياة، يرهقها ظلم الأقرباء ولا تنكسر من عدوها.
وفى كل لقاء دولى مازال يحضرنى القول إن أحقر ما فى هذا الزمان، هو صعوبة أن تختار أعداءك لا أصدقائك. فالأصدقاء معظمهم إما رحلا قهرا أو أخذته غيبوبة الصمت العجيبة أو ( كما قيل )، سقط عند أول ارتطام لقطار الوطن فى محطة الألم، لكن علينا أن ندقق الآن فى اختيار أعداء أكثر نبلا، إن كان للعداوة نبل وأصول من أساسه.
وليس أصعب من لحظة أن يتحول الوقت كله إلى فصل خريف حزين يغمر المنطقة كلها، بأوراق الخذلان المتساقطة، وتجد نفسك فى ورطة بين عدو حاقد وصديق جاهل !.
ولأنى غارق هذه الفترة فى رحلة قراءة عن زمنى الأندلسى باحثاً عن أثر لقافلة أجداد رحلوا.
وسعيد بإعادة اكتشاف ما كتبه الراحل الكبير حسين مؤنس عن فجر الأندلس، فإنى أرى التاريخ العالق فى الذاكرة، يعود كواقع يبعث على الدهشة والخيبة، وسبق أن كتبت عن ذلك، ويبدو أنه يستحق التكرار والتذكير معا.
أرى تاريخ ملوك الطوائف وهم يمزقون بعضهم يتجسد أمامنا ثانية خارج أسوار الأندلس هذه المرة، وكأن بالمرء يقرأ فى صفحات التاريخ مستقبله لا ماضيه.
ويرقب بوضوح مشاهد السقوط المتتالية القادمة للأمة نفسها، بملامحها الحزينة؟، وإن اختلف المكان وتغير الزمان، لكن تشابهت الخيبات.
وكأن جنون الطوائف عدوى تنتشر من جديد فى هذا الزمن العربى !؟، ليتجسد واقعا، لا مجرد ذكرى فى كتب التاريخ. وكأننا نحقق ما قاله كارل ماركس ذات يوم: « إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين, مرة على شكل مأساة, ومرة على شكل مهزلة» وما نراه الآن هو المهزلة والمأساة معا.
تحضر لقاءات تتبدل فيها مقاعد
( الاعدقاء) ! أولئك الذين لم يغادروا صفوف العداوة، وصاروا يلوحون لك بصداقة ملتبسة!. ولكنى على يقين دوما بأنه ستفيق هذه الأمة كعادتها ويغرب عنا خريف الألم، لكى يزهر بعده ربيع الروح، تلك سنة الحياة وعهدنا بهذه الأرض.