الدكتور العثماني يكتب: في فهم الضغط النفسي

نيوز بلوس- الدكتور سعد الدين العثماني

elotmaninafs@gmail.com

الضغط النفسي هو ترجمة للفظة “stress”، وقد يسمى أيضا الكرب أو الإجهاد، وهو حالة من الإنهاك الجسدي والنفسي الذي هو رد فعل على ضغط غير طبيعي ومرتفع الدرجة، لتأثيرات الحياة أو الأحداث التي يعيشها الفرد. وكل واحد منا قد يتعرض لذلك في وقت أو ظرف معين.
فالضغط النفسي يعتبر من الأمور العادية في الحياة اليومية، وإن كان يؤدي أحيانا إلى تهديد خطير للصحة، فإنه فيما سوى ذلك، قابل للمواجهة والمعالجة بوسائل عديدة، لأن الجسم مزود بالقدرة على التطبع أو التكيف مع أنواع واسعة منه.
ولا يتوفر الناس على نفس القدرة لمواجهة الضغوط، وذلك على حسب طبيعة شخصية كل واحد منهم، وحسب مستوى صحته النفسية. فهناك شخصيات أكثر صبراً وجلداً ومرونةً نفسية، فهي بالتالي أكثر تحملا للضغوط. وهناك من هم أقل قدرة على ذلك.
أما عوامل الضغط النفسي فأغلبها يرتبط بحدث أو أحداث ذي أهمية في حياة الفرد وأحيانا مع حدث عادي، لكن الملاحظ أن ما هو مسبب للضغط عند شخص قد لا يكون كذلك عند شخص آخر، وعلى الرغم من أن أي حدث مهما صغر قد يؤدي إلى ضغط نفسي خفيف أو شديد، إلا أن أغلب تلك الضغوط محفزة وتزيد من طاقة الإنسان وقدرته على التحدي.
وهكذا يتحدث المتخصصون عن نوعين من الضغط النفسي: الأول ضغط نفسي صحي إيجابي يحفز الفرد على الإبداع والإنجاز لأنه يستنفر كل طاقاته لمواجهة الضغط بطريقة إيجابية، والثاني ضغط نفسي مَرَضي يؤثر في أداء الفرد بشكلٍ سلبي، وهو ما يقع إذا تجاوز الضغط مستوى تحمل الفرد بأن يقع بعد كارثة أو صدمة، أو زيادة كبيرة في عبء العمل، أو مشاكل أسرية أو مالية كبيرة ومزعجة أو اذا استمر في الزمان مدة طويلة فإنه يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الصحة، وأحيانا إلى المرض النفسي لدى الأشخاص ذوي الاستعداد الوراثي.
وعلى مستوى آخر يمكن أن نميز بين نوعين من الضغط، ضغط قصير الأمد الذي هو رد فعل على صدمة أو حادث مفاجئ، وضغط طويل الأمد ناتج عن مشكل ممتد في الزمان.
ومن أمثلة الضغط النفسي قصير الأمد أن الفرد قد يجد نفسه بصورة مفاجئة وسط شارع وسيارة متجهة نحوه بسرعة، فيبدأ الجسم بإفراز هرمون الأدرينالين في الدم فورا، مما يستنفر طاقته ليتمكن من الهروب عن طريق السيارة.
أما الضغط طويل الأمد فتتنوع عوامله بفعل تعقد الحياة المعاصرة، فهناك العوامل الأسرية والدراسية والمهنية والاقتصادية وغيرها، وكلما كانت الحياة معقدة، كلما كانت العوامل أكثر كما وكيفا، ومن العوامل الأكثر انتشارا والأشد تأثيرا حسب الإحصائيات وفاة الزوج أو الزوجة، والمشاكل الأسرية، والبطالة والمشاكل المادية، والمرض والتعرض للكوارث.
ويقوم الجسم في مواجهة الضغط النفسي بإطلاق مجموعة من ردود الفعل وفق مراحل ثلاثة:
المرحلة الأولى هي مرحلة تعبئة الطاقة وتسمى أيضا مرحلة التنبه، فالجسم يفرز في بداية الضغط النفسي مادة الأدرينالين في الدم، مما يؤدي إلى تغيرات مثل تسارع نبضات القلب وازدياد وتيرة التنفس وجفاف الفم. فالجسم في هذه المرحلة يضع نفسه – وبسرعة – في حالة مواجهة الصدمة بكل ما أوتي من قوة.
ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة المقاومة أو التحمل باستعمال الجسم لمخزون الطاقة، وذلك في حالة ما إذا اشتد التعرض للضغط أو استمر عبر الزمان، وذلك بالأخذ من مخزون السكريات والدهنيات، وفي فترة متقدمة يحس الشخص بأنه مكروب ومرهق.
ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإنهاك عندما يكون الجسم قد استهلك مخزون الطاقة، فإذا استمر الضغط وكان الجسم محتاجا إلى طاقة أكبر مما يستطيع أن ينتجه، يصاب الجسم بالإعياء وتظهر عليه أعراض السهر والكوابيس، واختلال القدرة على التمييز والحكم على الأشياء ويبلغ التوتر والقلق أعلى مستوياتهما.
وسنتطرق في الحلقة المقبلة إن شاء الله للطريقة المثلى للتعامل مع الضغط النفسي، بما يجنب تأثيراته السلبية.