شهر رمضان

رمضان بين حفظ الشكل وضياع الجوهر

رمضان بين حفظ الشكل وضياع الجوهر
بقلم: باسو أوجبور

صوم رمضان عبادة نبيلة من أرقى العبادات، ليت المؤمن يدرك معاني ومقاصد الصيام. إن أول درس يجب أن نستخلصه من الصوم هو الصبر والقدرة على التحمل بكامل نكران الذات، وكذلك التنازل للغير عن كل الملذات ومتع الحياة. ولكن ماذا بقي لنا في عصرنا هذا من شهر الصيام؟ لم يبق لنا منه غير الكسل والخمول بالنهار، والإسراف والبذخ بالليل.

صار شهر رمضان منديلاً يتمسح به كل ملوث أوساخه ويبرر به كل مماطل تماطله، وكل عامل فاشل يبرر ضعفه بالصيام. كيف لا نضاعف العمل في رمضان بكامل الجد والإخلاص والوفاء؟ كيف لا نتقوى به خاصة وأنه يقتضي منا أن نقوي الروح وننهك الجسد؟ يجب أن يكد الإنسان من الشروق الى الغروب متحملا الجوع والعطش الشديد، وحين يفطر يكتفي بحبات من التمر وقليل من الطعام، ويبحث عن المحتاجين سراً وهم كثر كي يتصدق عليهم، لا بما تبقى من طعامه؛ أو بما يريد التخلص منه؛ أو بقطع نقود معدنية لم يعد يفرح بها حتى الأطفال، ولكن برصيد شهر من العمل، أو على الأقل أن ينفق ما هو في حاجة إليه. ينبغي أن يملي عليه ضميره وإيمانه التنازل هذه المرة لصالح المحرومين من أشقائه وشقيقاته في الإنسانية.

لا أظنه قد صام من يتقلب في فراشه طيلة النهار منتظراً سماع صوت الآذان ومؤجلا كل أنشطته الى ما بعد صلاة المغرب. ولا أعتقد أنه صام من بقي في أريكته الجلدية في مكتب بمكيف الهواء. لا أدري ما إن كان الصوم صحيحاً لدى من يفطر بأشهى المأكولات المكدسة فوق الموائد يمشي نصفها في ما بعد الى الأزبال، في حين أن هناك أناساً يحلمون بأكل وجبة دسمة ذات يوم. الصدقة ليست هي أن تتصدق بالحريرة والشباكية، ولكن الصدقة هي أن تبحث عن من تجوز فيه الصدقة فتمنحه مبلغاً من المال يعينه على إكراهات الزمن. هذا هو الإيمان الحقيقي، ولكن ليس سهلا أن يتحلى المؤمن العادي بمثل هذه القيم النبيلة.

لا أتصور مؤمناً يعبد الله عبادة سليمة ويتقرب الى الله مالم يتشبع بمباديء العدل، ولا أظن أن الله يعبد بقلب أناني لا يفكر إلا في نفسه، وفي أحسن الأحوال في عائلته. المؤمن الحقيقي يرى في الناس عائلته الكبيرة، الكبار أعمام وأخوال والصغار أبناء وأحفاد. الصائمون الحقيقيون بيننا هم أولئك العمال الذين يتصببون عرقاً من فرط التعب والعياء بأمعاء فارغة ولا يفكرون إلا في إتقان العمل ولو على حساب أجسادهم المنهكة، وحين يقترب الآذان يهرولون كي يجدون رغيفاً من الخبز ويتبادلون حبات من التمر بمجرد سماع تكبيرة الآذان. الصائمون هم عمال الأفران، يتعرضون لحرارة شديدة تفقد أجسادهم كل السوائل التي تختزنها.
الصائم هو ذلك السائق الذي يقطع آلاف الكيلومترات خلف مقود الشاحنة أو السيارة، الصائم بيننا هو ذاك الطبيب الذي يتنقل بين غرف الإنعاش لمستشفيات ومصحات لإنقاد الناس، ولا يستثمر في العقارات أو يمتلك ضيعات فلاحية تسقى بدماء المرضى. الصائم هو الأستاذ الذي يكد ويجتهد في إخراج عصارة أفكار عقله فيدخلها بمرونة في دماغ لا يفهمها، وما أن ينهي الدرس حتى يلتحق ببيت الجيران للشروع في دروس الدعم والتقوية، الصائم هو ذاك الموظف الذي يتسلل رفاقه هروباً من الواجب ويبقى وحيداً في مكتبه كي يقضي حوائج الناس. والصائم هو الفلاح الوفي للأرض، يحرث دون كلل أو ملل لعله ينتج زرعاً أو خضروات ينتفع بها الإنسان.
أولئك وهؤلاء هم الصائمون الحقيقيون، ويحق لهم الخروج بعد الإفطار لأداء صلاة التراويح وليس أولئك الذين يتنقلون بين الجوامع حتى يراهم الغير ويتباهون بمعرفة أسماء المساجد، بينما لم يسلم من لغوهم حتى الأئمة، الإمام كذا لا يحسن القراءة، والإمام فلان غير حافظ لكتاب الله. أما إمام مسجد كذا فصوته رديء ولا يبعث على الخشوع.
جوهر الصيام هو قمع الغرائز ونكران الذات وحرمان الجسد ومنع الشهوات، وكذلك إنهاك الجسم وتقوية الروح. معنى الصوم هو منع النفس من كل شيء. وفي المقابل آن تديم العطاء المتواصل بسخاء دون أن يشعر الغير بالمن والأذى، ومواصلة الإنفاق الشديد على الناس بحجم ما تنفق به على أسرتك. هذا هو جوهر الصيام وليس الشكل الذي يغلف أجساداً تفتقر الى الروح الطاهرة الطيبة.