لاعب اليمن.. نحو استعادة الدولة عز الدين سعيد الأصبحى_ عز الدين سعيد الأصبحى
اليمن.. نحو استعادة الدولة عز الدين سعيد الأصبحى

إعصار الجوع ! بأنامل الأستاذ عزالدين سعيد الأصبحى

نيوز بلوس

إعصار الجوع !
__
عزالدين سعيد الأصبحى

يتجنب العالم تسمية الحرب القائمة فى أوروبا بأنها حرب عالمية، ويصر على حصرها بالنزاع الروسى الاوكراني، بينما تأثيراتها تجاوزت القارة العجوز، إلى كل العالم المتهالك، فكل بيت يبحث عن ذرة طحين أو عربة تنتظر فى طابور الوقود بإفريقيا أو أوروبا وآسيا يدرك أن رياح الحرب هناك تعصف بقوته هنا. واذا لم تكن إجراءات أمريكا ودول أوروبا وغيرها فى العمل بإخراج روسيا ومعها بطبيعة الحال إخراج أكبر مساحة لدولة فى العالم من نظام التعامل المالى ، وخلق حصار وحرب اقتصادية وثقافية واعلامية، لم تسلم منها رفوف كتب تعرض أدب تولستوى وديستوفيسكي، حرب تمتد من نجوم المجرة إلى نجوم هوليوود، اذا لم يكن كل ذلك حربا عالمية فماذا تُسمى اذن؟.

ولكن ماتبقى فعليا هو ضبط النفس من اندلاع صدام عسكرى نووي، ويبدو أنه احتمال بعيد، فذاك دوما سلاح ردع لا يستخدم!. ولذا ومهما تكن فى هذا الكوكب فسترى نفسك مهموما بهذه الحرب، حتى وأنت مثلى الآن منتظرا رحلة إلى اقصى اليمن وهو بلد غارق فى الحرب، يسأل أهله عمايجرى فى أوكرانيا وروسيا، أكثر من السؤال عما يجرى فى جبهات قتال دامية يعانيها. وذلك ليس تعصبا لقطب دولى بقدر ما يفرضه خوف انعدام الطحين والقمح، نعم هى حرب الطحين، التى ستسحق ملايين البشر فى العالم، لذا تفرض الحرب القائمة نفسها عليك، مهما تكن بعيدا عن السياسة، فقد طالت ألسنتها كل مستويات الحياة على المستوى العالمي، من الصدام العسكرى إلى لقمة العيش، وقُدر للأزمة الروسية الاوكرانية أن تدخل كل بيت، وليس بالضرورة أن تُلقى علينا قذيقة مدفع مباشرة، حتى نشعر بلهيب الحرب، بل تحاصرنا جوانب الصور المختلفة لهذه الحرب، وتجعل المرء فى قلب الحدث والهلع. فهذا النظام المالى الذى يكمل حصاره يحد شفرته ليُطبق على العالم أنفاسه نهائيا او قد يشهد بدء انهياره على يد المارد الصيني، وهناك معارك عجيبة ابتداء من أسعار النفط والغاز وانتهاء بحرب الشحن البحرى والسيطرة على (حاويات النقل)، ولكن الأخطر أن تأثيرات الحرب تطول لقمة العيش فى معظم دول العالم. وبحسب حديث للأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش أن ما يجرى هو إعصار للجوع وانهيار لنظام الغذاء العالمى.
وللأسف فإن ذلك الإعصار سيضرب أولا الشعوب الأشد فقرا ويزرع بذور عدم الاستقرار السياسى والاضطرابات فى جميع أنحاء العالم. فهناك على الأقل 45 دولة من الدول الإفريقية والأقل نموا تستورد ما لا يقل عن ثلث قمحها من أوكرانيا أو روسيا –18 من هذه البلدان تستورد 50 فى المائة على الأقل، بينها ست دول عربية.
وأمام هذا الانهيار العالمى ،تسارع القوى العظمى لخلق فرز جديد للدول، وتقسيم لا يقود إلى سلام بل يصنع خناقا قاتلا على مستوى العالم.والقول إن المواجهات العسكرية الاستراتيجيه لن تصل إلى استخدام قنابل نووية، يبقى هو المأمول عند معظم الدول، ولكن إعصار الجوع كافر وقاتل أيضا.
كما أن العالم لم يعد يحتمل المزيد من الانهيار ولا يقبل ريح العنصرية العاتية ولا خطاب الكراهية التى تفجرت بشكل قبيح فى وجه العالم اجمع، فقد جاءت المواجهة الأوروبية الأوروبية للكشف عن أسوأ ما فى قناع الإنسانية، ونظم أوروبا. الأمر الذى يجعل معظم العالم على يقين أن حرب أوكرانيا تأتى بعد حرب كورونا لتعزز ضرورة وجود مسار جديد لتشكيل عالم آخر، فى كل شيء ابتداء من تغيير موازين القوى ، وخلق جغرافيا سياسية جديدة ،وانتهاء بإحداث تعديل جذرى فى النظام المالى العالمى وكذا بكل آليات عمل المنظمات الدولية، وصولا إلى تطوير قيم الإنسان نفسه. وهذا يجرى الآن على مستوى تعامل النظام المصرفي، واحتكار التكنولوجيا، وقوانين التنقل، وصولا إلى نظم الحماية الاقتصادية والاجتماعية.
نعم مايجرى يجعل الدول كلها تراجع حساباتها على مستوى العلاقات الدولية والمصالح، وتراجع علاقاتها مع مجتمعاتها أيضا فى إعادة خطابات سياسية أخرى.
ويبقى السؤال الذى لايغادر ذهني، أين نحن كوطن عربى من كل ذلك ؟ فقد شاء القدر أن يكون هذا الوطن الممتد على رقعة جغرافية من أقصى المغرب حتى أقصى اليمن بمساحة تزيد على 14 مليون كلم وبكتلة سكانية تتجاوز الأربعمائة مليون نسمة، ويشرف على أبرز الممرات المائية من باب المندب إلى مضيق جبل طارق، وتحت أرضه وشمسه ثروة تعيد توازن الكرة الأرضية، أين هو مما يجرى؟ وكيف له أن يكون صانع ألعاب؟ فما يجرى حتى اللحظة هو محاولات جادة لاستقطابات فردية تريد إدخال دول المنطقة فى زوايا الحرب الصعبة، بينما أمامنا فرصة أن نعيد الاعتبار لتاريخ فقدناه وجغرافيا نوشك على فقدانها لنكون رقم التوازن، وتكون دول المنطقة العربية هى الملاذ الآمن لعالم مضطرب.
أقول ذلك وأنا أتابع لقاءات أوروبية مختلفة ترى مناطقها مضطربة أكثر مما نتوقع، وأكثر توهانا من أى وقت مضى. وفى كل لقاء لا يفارقنى سؤال بسيط هو فقط كيف لا نجعل دولنا عكازا للدول العملاقة المترنحة كلها، والتى تريد جميعها أن تستند إليك لتقف هي لا أكثر.